بيان من إعداد بان كي - مون، وسوسيلو بابانغ يودهيونو، ودونالد تاسك، وأندريس فوغ راسموسين
إن قادة العالم وهم يجتمعون في واشنطن سيصيبون لو تذكروا إننا نواجه أزمتين. الأزمة
المالية العالمية وهي أعجل الأزمات؛ والأزمة الأدوم أجلا وهي تغير المناخ. وإلحاح
الأزمة الأولى ليس بمبرر لإهمال الأخرى. بل على العكس إنه فرصة لاصطياد عصفورين
بحجر واحد.
ولننحي جانبا الحجج المعتادة وهي: إن العلم واضح في ما يتعلق بتغير المناخ، وإن كل
يوم يمر دون اتخاذ إجراء يفاقم المشكلة، وإن التصدي للاحترار العالمي أمر لا مفر
منه. ودعونا بدلا من ذلك نعرض الحالة من وجهة نظر اقتصادية عملية بحتة.
إن النمو
العالمي آخذ في التباطؤ. والميزانيات تتقلص. وستقل على الأرجح الموارد المتاحة لنا
لمواجهة جدول أعمال يزداد طولا من المشاكل العالمية. فما هي الخطوات التي يمكننا
اتخاذها بالتالي لخلق وظائف وحفز النمو؟ وكيف نكفل توافر إمدادات الطاقة بأسعار في
المتناول؟ وما هو الإجراء الذي يمكننا اتخاذه لحماية النظام المالي العالمي ليكون
بمعزل عن الهزات المتكررة والفقاعات الدورية، بحيث تتمكن شعوب جميع الدول من التمتع
بما وُعدت به من تنمية ومن العيش في أمن اقتصادي؟
ويكمن الحل في إيجاد حلول مشتركة للتحديات الخطيرة التي تواجهنا. وعندما يتعلق
الأمر بتحديين من أخطر التحديات، وهما الأزمة المالية وتغير المناخ، فإن الحل يكمن
في الاقتصاد الأخضر. وإذا كانت طريقة معيشتنا مهددة، فالرد هو التكيف. ويتفق
العلماء على أنه تلزمنا لمواجهة تغير المناخ ثورة خضراء، وتغير كلي في الطريقة التي
نمد بها علماءنا بأسباب القوة. ويتفق الاقتصاديون أيضا على أن أنجع صناعة تحقق
النمو في العالم في الوقت الحالي هي الطاقة المتجددة. و يشهد هذا المجال بالفعل
مولد وظائف المستقبل، وتتحقق فيه أكثر الابتكارات العلمية التي ستقود الحقبة
المقبلة من التحول الاقتصادي.
ويذكِّرنا الفلاسفة العمليون بأن الغد يبدأ اليوم.
ومن المؤكد أن مؤتمر القمة المالي الذي يعقد في عطلة نهاية هذا الأسبوع في العاصمة
واشنطن هام للغاية. لكننا نواجه اختبارا لا يقل أهمية في أوائل كانون الأول/ديسمبر،
عندما تجتمع الدول في بوزنان في بولندا لحضور الجولة المقبلة للمفاوضات بشأن
اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ. ويعقد هذا الاجتماع عند نقطة المنتصف لخريطة
الطريق الصادرة في بالي، التي ووفق عليها بحماس بالغ في إندونيسيا في العام الماضي.
ويهدف إلى تهيئة الساحة للتوصل إلى اتفاق في كوبنهاغن في كانون الأول/ ديسمبر من
العام المقبل، عندما يجتمع قادة العالم للتفاوض بشأن اتفاق طموح وشامل عن تغير
المناخ يمكن أن توافق عليه جميع الدول.
وفي بوزنان، سيجتمع وزراء البيئة والمناخ لأول مرة لوضع رؤية طويلة الأجل للعمل
التعاوني. ويلزمنا للتوصل إلى اتفاق في كوبنهاغن خطة عمل واضحة ذات أهداف محددة
لتقليل الانبعاثات والتكيف مع الآثار غير المواتية لتغير المناخ. ويلزمنا هيكل
مؤسسي متفق عليه، والتزام جاد وصندوق للتكيف، بل ويلزمنا قبل كل شيء، توافر الإرادة
من جانب الدول النامية والمتقدمة النمو على السواء لكي تؤدي دورها. وسيكون التمويل
عنصرا أساسيا. فلو إن البلدان النامية افتقرت إلى الموارد المالية والتكنولوجيات
اللازمة للتحول إلى ”البيئة الخضراء“، لن نتمكن من التصدي لتغير المناخ بشكل فعال.
ولا تتحول الأماني تلقائيا إلى أفعال. ولنكن واضحين فإن ذلك يجسد
ما ترغبه شعوب العالم - قطاع الأعمال والمستثمرون والحكومات وجماعات المواطنين. وفي الواقع، فإن هذا آخذ في التحقق بالفعل. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الاستثمار العالمي في الطاقة التي لا تتسبب في أي انبعاث لغازات الدفيئة ستصل إلى 1.9 تريليون دولار بحلول عام 2020، أي جزء كبير من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وعلى نطاق العالم، يعمل نحو مليوني شخص في الصناعات الجديدة للطاقة الشمسية والطاقة المولدة من الرياح، نصفهم في الصين وحدها. ويتيح برنامج الوقود الأحيائي في البرازيل نحو مليون وظيفة سنويا. وفي ألمانيا، من المتوقع أن تتضاعف الاستثمارات في التكنولوجيا البيئية أربعة أضعاف على مدى الأعوام القادمة لتصل إلى 16 في المائة من الناتج الصناعي بحلول عام 2030 وليعمل فيها عدد يجاوز عدد من يعملون في صناعة السيارات.
وإننا لسنا بحاجة للانتظار إلى حين بزوغ تكنولوجيات جديدة، ولا يتعين علينا أن نقلق بشكل مفرط بشأن تكاليف اتخاذ إجراء. فالدراسات تظهر أن الولايات المتحدة يمكنها أن تقلل الانبعاثات الكربونية بقدر كبير بتكلفة منخفضة أو بلا تكلفة على الإطلاق، باستخدام المعارف الفنية الحالية. وللتدليل على ذلك، فلنمعن النظر في ما حققته الدانمرك بتكريس قدر كبير من استثماراتها للنمو الأخضر. فقد زاد منذ عام 1980 الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 78 في المائة وذلك بزيادات طفيفة للغاية في استهلاك الطاقة. وتمكنت بولندا من تقليل الانبعاثات بنسبة الثلث على مدى الأعوام السبعة عشر الماضية، حتى في ظل الازدهار الاقتصادي الذي حققته. وبالنسبة لقطاع الأعمال، فإن هذه الوفورات تترجم إلى أرباح. وحاليا، تتمتع الشركات الأوربية العاملة في قطاع التكنولوجيا الخضراء بمزايا ”الرواد في ذلك المجال“ وتسيطر على ثُلث السوق العالمي البازغ للتكنولوجيات البيئية.
ويمكننا من خلال السياسات
السليمة والحوافز المالية، ضمن إطار عمل عالمي، أن نوجه النمو الاقتصادي في اتجاه
يكفل انخفاض الانبعاثات الكربونية. فعن طريق السياسات السليمة والحوافز المناسبة،
يمكننا أن تكفل مساهمة الدول المتقدمة النمو والنامية على السواء في قضية التصدي
للاحترار العالمي ، كل بطريقتها، وبدون المساس بحق كل دولة في التنمية وفي تحقيق
الرخاء الاقتصادي لمواطنيها.
ويدرك هذا الأمر مديرو الشركات الأقدر على استشراف المستقبل. وهذا هو أحد الأسباب
وراء مطالبة رجال الأعمال في كثير من أرجاء العالم بسياسات واضحة ومتسقة بشأن تغير
المناخ، أي سياسات عالمية لمشاكل عالمية. وفي هذا الصدد، فلنتفق على أن كل الطرق
تؤدي إلى روما. وسيسعى البعض في بوزنان، وبعد ذلك في كوبنهاغن، إلى وضع حدود صارمة
للانبعاثات. بينما سيفضل آخرون أهدافا طوعية. وسيناقش آخرون مزايا وعيوب ”مقايضة
الانبعاثات بحوافز اقتصادية“ في مقابل الضرائب والنظم الوطنية لحفظ البيئة. وسيطالب
كثيرون بسياسات لتقليل إزالة الغابات الأمر الذي يتسبب في حوالي خُمس ما ينبعث من
غازات الدفيئة. ويمكن أن يؤدي استثمار ما يتراوح بين 17 إلى 30 بليون دولار سنويا
إلى تقليل كم الانبعاثات إلى النصف بينما يزيد بشكل كبير عدد الوظائف المتصلة بحفظ
البيئة في البلدان المدارية من قبيل إندونيسيا.
ومع الأسف، فإننا ليس بإمكاننا أن
نفاضل ونختار. فنحن نحتاج إلى جميع هذه النهج. بل والأكثر من ذلك، إننا سنحتاج إلى
قيادة، ذات منظور مستنير عالمي، يقترن بالعمل والأزمة المالية العالمية التي
نواجهها اليوم ما هي إلا لطمة تدعونا إلى الاستيقاظ من ثباتنا. وتتطلب حلولا
ابتكارية تأخذ في الحسبان التحديات الأكبر التي نواجهها كبشر يعيشون على الكرة
الأرضية. وهي ليست دعوة لتأجيل ما يتعين علينا القيام به لصون مستقبلنا. فليس
أمامنا وقت نضيعه.
بان كي - مون، الأمين العام للأمم المتحدة، وسوسيلو بابانغ يودهيونو، رئيس
إندونيسيا، ودونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا، وأندريس فوغ راسموسين، رئيس وزراء
الدانمرك.